28.07.2026, 20:42 1676

الحرائق والفيضانات والجفاف: كيف اجتاحت كوارث يوليو العالم وما المخاطر التي تشكلها على كازاخستان

الحرائق والفيضانات والجفاف: كيف اجتاحت كوارث يوليو العالم وما المخاطر التي تشكلها على كازاخستان
اجتاحت موجات الحر غير المسبوقة، وحرائق الغابات واسعة النطاق، والفيضانات المدمرة، في الوقت ذاته، قارات تمتد من أمريكا الشمالية إلى وسط آسيا، بحسب ما أفادت وكالة Kazakhstan Today. ويؤكد علماء المناخ أن العالم دخل مرحلة "الكوارث المتسلسلة"، حيث تؤدي الظواهر الجوية المتطرفة إلى تعزيز بعضها بعضاً بصورة متسارعة. وفي هذا التقرير، نستعرض كيف يغيّر الاحترار المفرط للغلاف الجوي وجه الكوكب، وما الحلول التي يقترحها العلماء لمواجهة هذه التحديات.

التأثير المتسلسل: لماذا تضرب الكوارث الطبيعية في وقت واحد؟

أظهر شهر يوليو بصورة واضحة كيف يبدو التحول المناخي على أرض الواقع. فبدلاً من الأخبار الموسمية المعتادة عن موجات حر محلية أو فيضانات محدودة، امتلأت وكالات الأنباء العالمية بتقارير عن كوارث متزامنة في مختلف أنحاء العالم. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض المناطق تحترق بفعل الجفاف الشديد، كانت مناطق أخرى تغرق تحت المياه.

ويصف خبراء المنظمة العالمية للأرصاد الجوية هذه الظاهرة بشكل متزايد بأنها "متلازمة الكوارث المتسلسلة"، حيث تؤدي كل ظاهرة مناخية متطرفة إلى نشوء أخرى بصورة شبه حتمية.

ويكمن السبب الرئيسي لهذا الاضطراب في الارتفاع المفرط لدرجة حرارة الغلاف الجوي. فكلما ارتفعت حرارة الهواء ازدادت قدرته على امتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها، مما يؤدي إلى اختلال كبير في الدورة الطبيعية للمياه؛ إذ تمتص الغلاف الجوي، على مدى أسابيع، الرطوبة من التربة والغابات، فتحولها إلى أراضٍ جافة وقابلة للاشتعال، ثم يفرغ فجأة الكميات الهائلة من المياه المتراكمة على شكل أمطار غزيرة في فترة زمنية قصيرة. ونتيجة لذلك، تتحول موجات الحر الطويلة خلال ساعات إلى أمطار طوفانية مدمرة.

وخلال شهر يوليو، تكرر هذا السيناريو في مناطق مختلفة من العالم في الوقت نفسه.

أمريكا الشمالية وأوروبا: بين النيران والأمطار الغزيرة

قدمت أمريكا الشمالية مثالاً واضحاً على هذا التناقض. ففي الولايات الغربية للولايات المتحدة، ولا سيما كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن، أدت موجات الحر الطويلة إلى اندلاع حرائق غابات هائلة التهمت مئات الآلاف من الهكتارات. وفي المقابل، كانت مدن الساحل الشرقي تكافح الفيضانات، حيث شهدت مدينة نيويورك هطول كمية من الأمطار تعادل المعدل الشهري خلال ساعات قليلة فقط، مما أدى إلى تعطيل شبكة مترو الأنفاق وغمر الأقبية وإغلاق الطرق السريعة الرئيسية.

NYTimes

أما أوروبا، فقد وجدت نفسها بين طرفي نقيض. ففي جنوب القارة، ولا سيما في اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا، استقرت درجات الحرارة عند نحو 40 درجة مئوية، فيما اقتربت حرائق الغابات من المنتجعات الساحلية وأتلفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

YouTube/NY18

وفي الوقت نفسه، تعرضت مناطق وسط وجنوب شرق أوروبا لتصادم كتل هوائية شديدة الحرارة مع جبهات باردة، مما أدى إلى اجتياح سلوفينيا ورومانيا وسلوفاكيا والبوسنة بعواصف فائقة الخلايا، صاحبتها حبات برد كبيرة ورياح إعصارية.

وتُعد "العاصفة فائقة الخلية" سحابة رعدية طويلة العمر تحتوي على تيار هوائي دوّار داخلها. وعلى خلاف العواصف الرعدية العادية، تستطيع هذه العاصفة أن تستمر لساعات طويلة معتمدة على تغذية ذاتية، وترافقها عادة حبات برد كبيرة ورياح شديدة وأمطار غزيرة مفاجئة.

X/Vegasyx

وفي تركيا، تسببت الأمطار الغزيرة في حدوث فيضانات سريعة حولت شوارع المدن إلى مجارٍ مائية.

آسيا وأمريكا اللاتينية: الرياح الموسمية والأعاصير وصدمة البنية التحتية

X/Arsen

في آسيا، تزامن موسم الرياح الموسمية التقليدي مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى تفاقم آثار الظواهر الجوية المتطرفة. ففي ولايتي كيرالا وهيماشال براديش الهنديتين، تسببت الأمطار المتواصلة في وقوع العديد من الانهيارات الأرضية، ما أدى إلى عزل قرى بأكملها عن العالم الخارجي.

X/AA_Yesilhat

وعلى السواحل الصينية، ضرب إعصار قوي المنطقة، مما اضطر السلطات إلى إجلاء أكثر من 700 ألف شخص بصورة عاجلة، وتعليق العمل في الموانئ والمصانع. وفي ماليزيا، وبالتحديد في منطقة كوالالمبور، تسببت الفيضانات المستمرة في ارتفاع منسوب المياه إلى مترين، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الطرق الوطنية بالكامل.

X/PointMHD

وامتدت آثار هذه الظواهر إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث تزامنت الأحوال الجوية القاسية مع مشكلات البنية التحتية. ففي بورتوريكو، أدى الجفاف القياسي وتقادم شبكات المياه إلى فرض نظام صارم لتوزيع مياه الشرب على أكثر من مليوني شخص.

Pexels

أما في أوروغواي، فقد تسبب مرور إعصار خارج مداري في انقطاع واسع للتيار الكهربائي بعد تعرض خطوط نقل الكهرباء لأضرار جسيمة، مما ترك عشرات الآلاف من الأسر دون كهرباء.

AI

وسط آسيا: التهديدات الجبلية والجفاف في السهول

تظل منطقة وسط آسيا، في ظل هذا المشهد العالمي، واحدة من أكثر المناطق هشاشة، حيث تتسارع فيها وتيرة الاحترار المناخي.

وخلال شهر يوليو، واجهت المنطقة مجدداً ضربة مزدوجة تمثلت في الجفاف الشديد الذي ضرب السهول، إلى جانب تزايد عدم استقرار المنظومة الجبلية. ففي المناطق الجنوبية والغربية من كازاخستان، وكذلك في أوزبكستان وتركمانستان، أدت موجات الحر الطويلة التي تجاوزت 40 درجة مئوية إلى جفاف المراعي وارتفاع مخاطر اندلاع الحرائق في مناطق السهوب.

وفي الوقت نفسه، تؤدي درجات الحرارة غير الاعتيادية في المناطق الجبلية من زايلي ألاتاو وجبال بامير إلى تسريع ذوبان الأنهار الجليدية. ولا يقتصر أثر ذلك على زيادة مخاطر انهيار البحيرات الجليدية وحدوث السيول الطينية على المدى القريب، بل يؤدي أيضاً، بصورة حتمية، إلى تفاقم أزمة نقص المياه المزمنة التي يعاني منها القطاع الزراعي في الأحواض العابرة للحدود لنَهري سيرداريا وآموداريا.

ويؤكد علماء المناخ أن ما شهده شهر يوليو لا يمثل مجرد تزامن عارض لعشرات الظواهر المناخية الشاذة، بل إن الخطر الحقيقي للمناخ الجديد يكمن في تزامن الكوارث الطبيعية. فعندما تضطر أجهزة الإنقاذ والبنية التحتية والاقتصادات إلى التعامل مع الحرائق والفيضانات في الوقت نفسه على مستوى العالم، تصبح آليات الحماية التقليدية غير قادرة على مواكبة حجم التحديات.

ضربة للنظام البيئي: ماذا علمت عواصف السنوات الماضية مدينة ألماتي؟

لا يزال سكان ألماتي يتذكرون مدى هشاشة التوازن البيئي في سفوح الجبال عندما تواجه المدينة ظواهر طبيعية متطرفة.

وكان الإعصار الذي ضرب المدينة في يونيو عام 2011 الأكثر تدميراً خلال العقود الأخيرة، حيث أطاحت الرياح العاتية، خلال دقائق معدودة، بعشرات الآلاف من أشجار التنوب العريقة في جبال تيان شان في مناطق ميديو وهضبة كامينسكوي ومنطقة بوتاكوفكا. وأدت الأشجار المتساقطة إلى إغلاق الطرق الجبلية، فيما شهدت بعض المنحدرات اضطرابات في التربة تسببت في انزلاقات صخرية.

silkadv.com

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2018، تعرضت المدينة مراراً لموجات جديدة من العواصف الشديدة. ففي يوليو 2016، اجتاحت ألماتي أمطار غزيرة مصحوبة بحبات برد بلغ حجمها حجم ثمرة الجوز، فيما أسقطت الرياح العاصفة الأشجار فوق السيارات المركونة والطرق العامة، وتسببت في انقطاع خطوط الكهرباء. وبعد ذلك، في مايو 2018، اقتلعت رياح إعصارية مماثلة أجزاءً من الكسوة الخارجية للقبة المذهبة لمسجد بايكين، كما استمرت الانهيارات الأرضية والانزلاقات الطينية في المناطق الواقعة عند سفوح الجبال نتيجة انجراف التربة.

وأثار البحث عن أسباب هذه الهشاشة نقاشاً واسعاً في الأوساط العلمية والبيئية. فقد أشار خبراء البيئة والمتخصصون في حركة "تابيغات" مراراً إلى أن إزالة الأحزمة الحرجية المحيطة بالمدينة، إضافة إلى القطع الواسع للأشجار داخلها تحت ذريعة الإزالة الصحية، كانا من بين العوامل التي فاقمت آثار الكوارث الطبيعية. فقد كانت الغابات الطبيعية والأشجار المعمرة تشكل حاجزاً طبيعياً يخفف من قوة الرياح، بينما كانت جذورها تثبت التربة على المنحدرات. ومع تراجع هذا الحاجز الطبيعي، أصبحت العواصف أكثر تدميراً، وأصبحت التربة المنجرفة أكثر عرضة للانزلاق.

وتوضح ذاكرة هذه الكوارث الطبيعية بجلاء سبب الأهمية البالغة التي توليها مدينة ألماتي والمناطق المحيطة بها لقضايا العواصف، وحماية المنحدرات، والحفاظ على البيئة.

ويرى العلماء أن السبيل الوحيد للحد من آثار الكوارث الطبيعية يتمثل في التكيف المنهجي للبنية التحتية، إلى جانب تنفيذ برامج واسعة لإعادة تأهيل النظم البيئية. وتقدم الصين مثالاً عملياً على فعالية هذا النهج، إذ نجحت، بفضل برامج التشجير الحكومية وإنشاء مشروع "السور الأخضر"، في إبطاء وتيرة التصحر وتحويل ملايين الهكتارات من الأراضي القاحلة إلى أحزمة غابية واقية. وسنتناول في مواد لاحقة الكيفية التي تعيد بها دول أخرى، إلى جانب المجتمع العلمي الدولي، هيكلة اقتصاداتها للتكيف مع التحولات المناخية.
 



Found an error in the text?

Select the error and press Ctrl + Enter at the same time.

relevant news

Most viewed