منظمة شنغهاي للتعاون - 25 عاماً: محطة جديدة وآفاق واسعة
Images | primeminister.kz
لطالما كان الحوار، ولا يزال، العملة الأكثر قيمة في عالم السياسة. فقدرة الدول على الإصغاء إلى بعضها البعض وصياغة استجابات مشتركة للتحديات الراهنة تمثل عاملاً أساسياً في ضمان استقرار النظام الدولي، ولا سيما في فترات التحولات والأزمات.
وفي عالم اليوم، بات من الواضح بشكل متزايد أن تراجع مستوى الثقة بين الدول يعود إلى أن الحوار أصبح مورداً نادراً أكثر فأكثر. ومع ذلك، شهدت السياسة الدولية نماذج ناجحة لدول اختارت الحوار أساساً للتعاون، وأسست أطرًا متعددة الأطراف قوية تهدف إلى تعزيز السلام والثقة وإطلاق إمكانات حسن الجوار والتعاون. وتُعد منظمة شنغهاي للتعاون واحدة من أبرز هذه النماذج.
تأسست المنظمة قبل خمسة وعشرين عاماً، في 15 يونيو/حزيران 2001، وأصبحت اليوم واحدة من أكبر التكتلات الإقليمية متعددة الأطراف في العالم المعاصر.
وخلال ربع قرن من الزمن، تحولت المنظمة إلى تجربة فريدة في بناء الثقة والبحث عن التوافق وتعزيز الشراكة عبر الفضاء الأوراسي الواسع. وقد قطعت مساراً طويلاً ومعقداً وديناميكياً، أثبتت خلاله ليس فقط قدرتها على الاستمرار، بل أيضاً فعاليتها العالية وأهميتها المتزايدة.
وتعود جذور المنظمة إلى ما عُرف بـ"مجموعة شنغهاي الخماسية"، وهي منصة حوارية تأسست عام 1996 بمشاركة كازاخستان والصين وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان. وفي عام 2001 انضمت أوزبكستان إلى المجموعة، لتتحول رسمياً إلى منظمة شنغهاي للتعاون، مشكلة بذلك نواة قوية لآسيا الوسطى داخل المنظمة.
واليوم تضم المنظمة عشرة أعضاء، هم إضافة إلى الدول المؤسسة وأوزبكستان: الهند وباكستان وإيران وبيلاروسيا. وتمثل الدول الأعضاء أكثر من 60% من مساحة أوراسيا، ونحو نصف سكان العالم، وحصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وخلال هذه السنوات، واصلت المنظمة تعزيز مكانتها المرموقة بين المنظمات الدولية والإقليمية المؤثرة، وأصبحت آلية فعالة لدعم الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. واليوم يشهد العالم تنامياً ملحوظاً في الدور العالمي لمنظمة شنغهاي للتعاون.
ويظل أحد أهم عناصر قوتها نهجها البنّاء والعملي القائم على مبادئ التعاون المتكافئ والمنفعة المتبادلة بعيداً عن هيمنة أي أيديولوجية واحدة. وقد أصبح هذا النهج يُعرف باسم "روح شنغهاي"، وهو مفهوم يعكس خصوصية الاستراتيجية التي اختارتها الدول الأعضاء. وقد أثبت الزمن سلامة هذا النهج وفعالية أدوات التعاون متعددة الأطراف التي تعتمدها المنظمة.
وأظهرت نتائج القمم الأخيرة للمنظمة الحجم الكبير للمشروعات والأهداف التي يجري تنفيذها، كما برهنت على قدرة المنظمة على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة بشأن القضايا الإقليمية الملحة في مجالات السياسة والأمن والتجارة والاقتصاد والتعاون الإنساني.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك اعتماد مبادرة منظمة شنغهاي للتعاون "من أجل وحدة عالمية تحقق السلام العادل والوئام والتنمية" عام 2024 بناءً على اقتراح من كازاخستان. وتمثل هذه المبادرة وثيقة شاملة وغير مسبوقة تتضمن مبادئ تعزيز الثقة والحفاظ على الاستقرار والأمن في ظل التطورات العالمية الراهنة. وقد قُدمت لاحقاً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفها وثيقة رسمية.
ويُعد الأمن أحد المحاور الرئيسية في أجندة المنظمة، التي راكمت خبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب والانفصال والتطرف. ويضطلع الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب التابع للمنظمة بدور محوري في هذا المجال.
وقد أثبتت الإجراءات المتخذة فعاليتها من خلال نتائج ملموسة وقابلة للقياس في تفكيك البنى التحتية للإرهاب. كما تم إنشاء منظومة للتبادل السريع للمعلومات، وتُنظم تدريبات دورية لمكافحة الإرهاب. ووفقاً لتقديرات الخبراء، فإن عدد الهجمات الإرهابية ضمن نطاق مسؤولية المنظمة يشهد تراجعاً مستمراً بفضل تنسيق الجهود بين الدول الأعضاء.
ومن أبرز إنجازات المنظمة أيضاً، في تقديرنا، المساهمة في تشكيل فضاء أوراسي مترابط ومستدام في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا. كما تم بناء نموذج مرن للشراكة الاقتصادية يقوم على احترام السيادة والبراغماتية والسعي لتحقيق المنفعة المتبادلة.
ومن الخطوات العملية المهمة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء التوصل إلى اتفاق بشأن إنشاء بنك التنمية التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون. وتشهد المفاوضات حول هذا المشروع تقدماً ملحوظاً في الوقت الراهن، وهو أمر يدعو إلى التفاؤل، إذ من المتوقع أن يصبح البنك مستقبلاً مؤسسة مالية رئيسية لتمويل مختلف المشروعات الاقتصادية والإنسانية في فضاء المنظمة.
ولا تقل أهمية عن ذلك عملية تعزيز التعاون الثقافي والإنساني بين دول منظمة شنغهاي للتعاون، والتي تزداد عمقاً واتساعاً عاماً بعد عام. وقد أُطلقت بالفعل مجموعة من المشاريع الرائدة التي أصبحت بمثابة علامات مميزة للمنظمة، من بينها جامعة منظمة شنغهاي للتعاون، ومبادرة "التعليم بلا حدود"، ومشروع "المقدسات الروحية"، وبرامج العواصم السياحية والثقافية للمنظمة، ومنتدى الشباب، إلى جانب العديد من المبادرات الأخرى.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على تعزيز حضور المنظمة وصوتها على الساحة الدولية، بل إنها تشكل أيضاً جسوراً للتواصل بين الشعوب، بما يسهم في تعزيز التفاهم المتبادل وترسيخ الثقة بين الدول الأعضاء.
وتُعد كازاخستان من أكثر الدول التزاماً بمبادئ منظمة شنغهاي للتعاون، كما أنها من أبرز الداعمين لمواصلة تطويرها المؤسسي وتعزيز مكانتها الدولية.
ومن الجدير بالذكر أنه خلال رئاسة كازاخستان للمنظمة عام 2017، انضمت الهند وباكستان إلى عضويتها، في خطوة شكلت المرحلة الأولى من عملية توسع المنظمة. وفي قمة أستانا عام 2024، ظهرت منظمة شنغهاي للتعاون لأول مرة بصيغة "العشرة"، حيث شاركت جمهورية بيلاروسيا للمرة الأولى كعضو كامل العضوية في المنظمة.
وبمبادرة من كازاخستان وبدعم من بقية الدول الأعضاء، تم اعتماد عدد من الوثائق المهمة للمنظمة، من بينها استراتيجية التنمية حتى عام 2035، وبرنامج الأمن الغذائي، واتفاقية التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء في القضايا الحدودية، وبرنامج مكافحة الإرهاب والانفصال والتطرف، إضافة إلى وثائق ومبادرات أخرى.
ويُعد تطوير أداء منظمة شنغهاي للتعاون ورفع كفاءتها في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة أحد المحاور الرئيسية للسياسة الكازاخستانية داخل المنظمة.
وتدعو أستانا باستمرار إلى تحديث المنظمة، ومواءمة مؤسساتها مع التحديات المعاصرة، وتعزيز البعد العملي للتعاون بين الدول الأعضاء.
وفي هذا السياق، اكتسبت رئاسة كازاخستان للمنظمة خلال الفترة 2023-2024 أهمية خاصة. وخلال قمة أستانا عام 2024، تم إطلاق عملية شاملة لتطوير أداء المنظمة، تهدف إلى تعزيز متانتها المؤسسية، ورفع فعالية القرارات المتخذة، وتوسيع آفاق التعاون بين الدول الأعضاء.
وأكد الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف أن المنظمة مطالبة، في ظل حالة عدم الاستقرار العالمية، بالتكيف في الوقت المناسب مع المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية الجديدة. ومن هذا المنطلق، اقترحت كازاخستان إجراء مراجعة شاملة لأنشطة المنظمة، تشمل آليات اتخاذ القرار، وتنفيذ المشاريع المشتركة، وآليات تنسيق عمل الهياكل المتخصصة التابعة لها.
ويجري حالياً العمل بصورة مكثفة داخل الدول الأعضاء على دراسة المبادرة الكازاخستانية الخاصة بتطوير المنظمة. ويتمثل الهدف الأساسي من هذه المبادرة في تعزيز الفعالية العملية للمنظمة وترسيخ مكانتها باعتبارها أحد المراكز الرئيسية للتعاون الدولي في الفضاء الأوراسي.
كما تدعو كازاخستان إلى تعزيز البعد الاقتصادي لمنظمة شنغهاي للتعاون. ويُعد هذا المجال من أكثر الجوانب التي تتعرض للانتقاد بسبب عدم الاستفادة الكاملة من الإمكانات المتاحة للمنظمة، وهو انتقاد لا يخلو من الوجاهة.
فمن حيث إجمالي الناتج المحلي للدول الأعضاء، تُعد منظمة شنغهاي للتعاون واحدة من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم. ويُقدَّر حجم التبادل التجاري الخارجي بين الدول الأعضاء بنحو تريليون دولار، وفقاً لمصادر مختلفة. كما تضم المنظمة أكبر منتجي ومستهلكي الطاقة في العالم، وتمر عبر أراضيها أهم الممرات البرية الدولية.
وتؤهل هذه المقومات الاقتصادية المنظمة لأن تصبح أحد المراكز العالمية الرائدة للتعاون الاقتصادي النوعي. غير أن هذه الإمكانات لا تزال بعيدة عن الاستغلال الكامل. وانطلاقاً من ذلك، تدعو أستانا إلى تنشيط المشاريع الاستثمارية المشتركة، وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة، وتطوير ممرات النقل الدولية العابرة لأراضي الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون.

