كازاخستان ترسخ مكانتها كمركز إقليمي للأمم المتحدة
اتخذت كازاخستان خلال النصف الأول من شهر يونيو سلسلة من الخطوات المتتالية التي من شأنها أن تعزز بشكل ملموس دورها كمركز إقليمي للتعاون الدولي.
وتشير تطورات الأسابيع الأخيرة إلى أن البلاد تنتقل تدريجيًا من مرحلة المشاركة في المبادرات الدولية إلى مرحلة بناء بنية مؤسسية خاصة بها للتعاون مع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية بالتنمية.
ومن أبرز هذه التطورات افتتاح أول مكتب إقليمي للميثاق العالمي للأمم المتحدة في منطقة وسط آسيا بمدينة ألماتي. ويهدف المكتب الجديد إلى أن يكون منصة لتعزيز مبادئ الأعمال المسؤولة والتنمية المستدامة والحوكمة المؤسسية في المنطقة. ومن خلاله ستتمكن الشركات من الوصول إلى المعايير الدولية للامتثال، وممارسات المسؤولية البيئية والاجتماعية، وأدوات تنفيذ أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
ولا يقتصر افتتاح المكتب على رمزيته فحسب، إذ يُعد الميثاق العالمي للأمم المتحدة أكبر مبادرة عالمية في مجال التنمية المستدامة للأعمال، حيث يضم آلاف الشركات والمؤسسات في أكثر من 160 دولة. ويعكس اختيار ألماتي لاستضافة المكتب الإقليمي تنامي أهمية كازاخستان كمركز للأنشطة الاقتصادية والخبرات الدولية في منطقة وسط آسيا.
وتواصل هذا التوجه في منتصف يونيو، عندما وقع رئيس جمهورية كازاخستان قاسم جومارت توقايف قانون التصديق على الاتفاقية المبرمة بين حكومة جمهورية كازاخستان ومنظمة الأمم المتحدة بشأن إنشاء المركز الإقليمي للأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة لوسط آسيا وأفغانستان. كما تم التصديق على مذكرة التفاهم بين حكومة كازاخستان والأمم المتحدة، والتي تحدد الأسس القانونية والتنظيمية لعمل المركز الجديد.
وفي جوهره، يمثل هذا المشروع إنشاء منصة دولية جديدة في كازاخستان تتولى تنسيق الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة في منطقة تشمل دول وسط آسيا وأفغانستان. وسيشكل المركز آلية للتعاون بين الحكومات الوطنية والمنظمات الدولية والخبراء والمؤسسات التنموية.
ويُعد هذا التطور جزءًا من استراتيجية أوسع تنتهجها كازاخستان لتعزيز دورها في العلاقات الدولية. فعلى مدى السنوات الماضية، واصلت البلاد توسيع حضور المنظمات الدولية على أراضيها، واستضافة الحوارات والمفاوضات الإقليمية، وطرح المبادرات في إطار الأمم المتحدة ومؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (CICA) ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها من المنظمات الدولية.
وفي هذا السياق، أكد وزير خارجية جمهورية كازاخستان، يرميك كوشيرباييف، في معرض رده على سؤال لمراسل وكالة «Kazakhstan Today» بشأن آفاق البلاد بعد افتتاح مكتب الميثاق العالمي للأمم المتحدة وإنشاء المركز الإقليمي للأمم المتحدة، أن كازاخستان ترسخ بثقة مكانتها كمركز إقليمي للأمم المتحدة.
وقال كوشيرباييف: «يوجد اليوم في مدينة ألماتي أكثر من 60 منظمة دولية، وهذا بحد ذاته دليل على أن كازاخستان أصبحت مركزًا إقليميًا للمنظمات الدولية. ونحن ندعم هذا التوجه بكل السبل».
وأوضح الوزير أن تعزيز مكانة كازاخستان كمقر للمنظمات الدولية يفتح آفاقًا إضافية لمشاركة البلاد في مختلف البرامج والمبادرات الدولية.
كما شدد على المزايا التي تتمتع بها مدينة ألماتي لاستضافة المؤسسات الدولية، مشيرًا إلى أن البنية التحتية المتطورة، ومستوى الأمن، وتوفر الخدمات الأساسية تشكل عوامل مهمة في تعزيز مكانة المدينة كمركز دولي.
ومن منظور السياسة الخارجية، تعكس هذه التطورات سعي كازاخستان إلى تعزيز حضورها ودورها على الساحة الدولية. فبعد أن كان الهدف الرئيسي في السنوات الأولى للاستقلال يتمثل في الاندماج ضمن الهياكل الدولية القائمة، أصبحت البلاد اليوم تؤدي بصورة متزايدة دور المنظم والمنسق للمبادرات الإقليمية. ويُعد إنشاء مؤسسات جديدة تابعة للأمم المتحدة في ألماتي من أبرز المؤشرات على هذا التحول.
وفي الوقت نفسه، تتعزز العلاقة بين الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية. فوجود المنظمات الدولية يسهم في جذب الاستثمارات، وتطوير القدرات والخبرات الوطنية، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، وتعزيز حضور البلاد على المستوى العالمي. ونتيجة لذلك، بات النشاط الدولي يُنظر إليه ليس فقط كأداة للسياسة الخارجية، بل أيضًا كعامل مهم لتحقيق التنمية الاقتصادية طويلة الأمد وتنمية رأس المال البشري.
وبذلك، تشير تطورات الأسابيع الأخيرة إلى بروز توجه جديد في السياسة الخارجية الكازاخستانية، يقوم على تعزيز الدور الإقليمي والدولي للبلاد وترسيخ مكانتها كمركز للتعاون والحوار متعدد الأطراف.

